هناك أربع أسئلة من المهم أن نفكر فيها عند تحليل دور الإعلام في النزاعات، فعند معرفة الأسباب الحقيقية يمكن لنا التفكير في الحلول الواقعية لهذه المشكلة المتأزمة، ولتقريب فهمنا لذلك سنطبق ذلك على ما يقوم به الإعلام في حرب اليمن.

أولاً: ما هي الأسباب التي تجعل الإعلام ينخرط في اذكاء النزاع في اليمن؟
1) غياب الإعلام المجتمعي، والإعلام العمومي، وقوة تأثير الإعلام الحكومي، والإعلام الخاص، الذي يحمل أجندات أطراف النزاع.
2) زيادة حدة الاستقطاب السياسي، الأمر الذي انعكس على الإعلام، وعلى ولاء الصحفيين وتوجيه الرأي العام.
3) لأن من يملك الإعلام يستطيع التحكم في سير الحرب والصراع، والترويج لانتصاراته والتنديد بانتهاكات الطرف الآخر.
4) غياب القانون لمحاسبة وسائل الإعلام على التضليل الإعلامي، والترويج للأكاذيب، وخلق الشائعات، فمن دون محاسبة يتلوث الإعلام بفساد السياسيين، ولا نشير هنا لحرية الصحافة، لأن الحرية لا تعني الكذب وتلفيق التهم على الطرف الآخر بدون مصادر وحقائق مثبته.
ثانياً: ما هي الآثار السلبية الناجمة عن الدور السلبي الذي يلعبه الاعلام في تأجيج النزاعات؟
1) يغيب فرص السلام والتعايش بين المواطنين، ويدفع بالمزيد من الكراهية والعنصرية.
2) تهديد التماسك الاجتماعي، وبالتالي التأثير سلبياً على الهوية الوطنية عند المتلقين.
3) يزيد من التكهنات نظراً لعدم دقة رواياته الإخبارية، الأمر الذي يعزز نظرية المؤامرة، وينعكس سلباً على المواطنين، مما يؤدي للإحباط، وكأن الحرب مصير محتوم لا سبيل من النجاة منها إلا بمناصرة ممول هذا الإعلام واتباع نهجه ورؤيته في السلام.
4) التأثير العاطفي على سلوك المتلقي يكون صور نمطية وذهنية، تستهدف القيم، وتبلد الإحساس بالآخر، فتطغى المصالح الشخصية على المصالح العامة.
5) أخبار القمع، والعنف، والحرب، والدمار، والقتال، تصنع مجتمعاً عنيفاً مستهلكاً للأخبار وصانعاً لها في آن واحد وكأن العنف بطولة.
6) تفاقم الصراع، وغياب الحلول، والمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان من كلا الأطراف، وعدم توفر إحصائيات وأرقام دقيقة بمخاطر استمرار الأزمة والحرب.
7) التركيز على النخبة السياسية، والانتصارات العسكرية، ومنع سرد قصص الأقليات، والنازحين، والمتضررين من الحرب.
ثالثاً: ما هي التحديات التي تعيق وجود صحافة السلام في اليمن؟
1) عدم وجود دراسات كافية لتطبيق منهجية صحافة السلام، بسبب غياب الأبحاث والأكاديميين المتخصصين في هذا الجانب، الأمر الذي انعكس بدوره على بناء الصحفي المهني، الذي يؤمن بتعزيز خطاب السلام، بدلاً من انخراطه في صحافة الحرب.
2) انعدام مصادر الأخبار وقت الحرب، والتضليل في أرقام الانتهاكات وإحصائيات وتبعات الحرب الكارثية، فالتلوث المعلوماتي يخلق أخباراً مزيفة، مما يصعب على صحافة السلام تفكيك وتحليل المصادر وتتبع مصداقيتها.
3) التفسير الخاطئ للسلام، الذي قد يفهمه المواطن العادي بالاستسلام، دون الإحاطة بأن السلام مرتبط بالعدالة وحقوق الإنسان، بالمقابل يفهم أطراف النزاع تفسير السلام في إطار ضيق بما يتناسق مع رؤيتهم في إحلال السلام، دون الإلمام كلياً برؤية الطرف الآخر.
4) القمع وتضييق الحريات الصحفية أثرت على أداء صحافة السلام، حيث يواجه الصحفي في نشاطه مخاطر وتهديدات أمنية على صحته، وحياة أسرته، وأقاربه، وأصدقائه.
5) تباين أجندات أطراف النزاع، وفقاً للمناطق التي تسيطر عليها، الأمر الذي يصعب مهمة صحافة السلام في استقطاب صحفيين مستقلين.
6) التحديات المالية والمادية، وعدم توفر الدعم الكافي، والميزانيات التشغيلية لإعلام مستقل ينشد السلام، على غرار صحافة الحرب التي تلاقي تمويلاً هائلاً من قبل أطراف النزاع.

رابعاً: ما هي الآليات التي يمكن أن تساهم في جعل الإعلام يلعب دوراً إيجابياً في دعم جهود السلام والمصالحة والتعايش؟ أو بمعنى آخر كيف يمكن أن نخلق إعلاماً يسهم في دعم مسار السلام والحد من النزاعات المسلحة؟
1) الوصول الرقمي للجمهور بخطاب بناء متزن يحاكي السلام باعتباره أوفر مادياً وأقدر وأسرع لاستهداف الجمهور.
2) توحيد جهود منظمات المجتمع المدني المهتمة بالإعلام، والسلام، وحقوق الإنسان، وتبادل الخبرات والتجارب في مجالات الاختصاص.
3) وضع خطط بالتنسيق والتعاون مع وسائل الإعلام الإذاعية والمرئية لاعتماد برامج تعزز التوافق وبناء السلام.
4) التدريب، والتدريب، ثم التدريب في ظل وجود مخرجات من كليات الصحافة في مختلف الجامعات اليمنية بحاجة إلى تنويرها وتثقيفها بقضايا السلام.
5) مساعدة أطراف النزاع من خلال إنشاء بيئة إعلامية هادئة تدعو للحوار بين الأطراف، لرسم سياسات سلام عادل وشامل ودائم يحفظ للجميع حقوقه.
6) بناء الثقة بين الصحفي والمجتمع، والصحفي وأطراف النزاع، والاستشهاد بقصص نجاح الوساطات المحلية في بناء السلام، وغيرها من القصص الدولية لبلدان تخلصت من الحروب، واتجهت للبناء والإعمار.
7) التأكيد أن وحدة اللغة، والهوية، والدين، والعادات، والتقاليد، معياراً يجب الأخذ به، كونه عاملاً مساعداً على تحقيق التماسك الاجتماعي، وأن الخلاف السياسي يجب ألا يؤثر على العلاقات الاجتماعية، والاقتصاد، وحياة الناس.
8) ضمان مشاركة كافة الأطراف في الإعلام، وتعدد المصادر، ودعم صوت المرأة، والفئات الضعيفة في المجتمع للمشاركة في صنع القرار.

أضف تعليق